أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

586

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وقال أحمد بن أبي الحواري رضي اللّه تعالى عنه : لا دليل على اللّه سواه ، وإنما يطلب العلم لأدب الخدمة انتهى . وكما لا دليل عليه غيره كذلك لا هادي إليه سواه ، كما قال : فاهدني بنورك إليك : أي اهدني بنور التوجه في حالة سيري إليك ، وبنور المواجهة بعد وصولي إليك ، وأقمني بصدق العبودية بين يديك حتى نتحقق بالوصول إليك ، فنرجع إلى رسم العبودية في عين شهود أنوار الربوبية : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ البقرة : 105 ] ، هنالك تفيض العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، كما أبان ذلك بقوله في المناجاة الثانية والعشرين : 365 - إلهي علمني من علمك المخزون ، وصني بسر اسمك المصون . قلت : العلم المخزون هو العلم الموهوب الذي يفيض على القلوب من حضرة علام الغيوب ، لا ينال بحيلة ولا اكتساب ، ولا يؤخذ من دفتر ولا كتاب ، وإنما يعطي من حضرة الكمال مع حكمة صحبة الرجال أو بمحض الفضل والنوال . وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه تعالى ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرّة باللّه « 1 » » انتهي . وهي أسرار الربوبية التي أخفاها اللّه عن خلقه ، ولم يطلع عليها إلا خواص أوليائه ، فإذا نطقوا بها مع غير أهلها ردوا عليهم ، وربما أباحوا دماءهم . ومنها الاطلاع على أسرار القدر وعجائب المغيبات . ومنها الاطلاع على مفاتح العلوم ومخازن الفهوم ، فيستخرجون بنتائج أفكارهم من درر الحكم ويواقيت العلم ، ما تكلّ عنه الألسن ، وتعجز عن حمله العقول . قال أبو بكر الواسطي في قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ [ آل عمران : 7 ] هم الذين رسخت أرواحهم في غيب الغيب وفي سر السر فعرّفهم ما عرّفهم

--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 210 ) .